بقلم نتانئيل لورخ
دارت هذه الحرب على امتداد الحدود الطويلة للبلاد: ضد لبنان وسوريا- في الشمال؛ العراق وعبر الأردن- والذي أُطلق عليه اسم الأردن خلال الحرب- في الشرق؛ مصر وفرق تُعزّزها من السودان- في الجنوب وفلسطينيين ومتطوعين من الدول العربية داخل البلاد.
وكانت هذه الحرب قد أدت إلى وقوع أكبر عدد من الضحايا من بين حروب إسرائيل. فقُتل خلالها 6،373 شخصًا في ميدان القتال ( اعتبارًا من الأيام التي سبقت الإعلان عن الدولة وحتى 20 من تموز يوليو 1949)، أي ما يساوي 1% من أبناء الييسوف – وذلك رغم أنّ هذه المعطيات تشمل أيضًا عددًا ملحوظًا من القادمين الجدد وعددًا من المتطوعين الأجانب.
خلال المرحلة الأولى (ابداءً من 29 من تشرين الثاني نوفمبر 1947 وحتى 1 نيسان إبريل 1948)، أقدم العرب الفلسطينيون على الاعتداء بمساعدة متطوعين من الدول المجاورة؛ ولم يتمكن الييشوف من حصر الحرب إلا بشكل محدود. وتكبّد الييشوف خلال هذه المرحلة خسائر بشرية وواجه صعوبات في التنقل والمرور على معظم الطرق الرئيسية في البلاد.
خلال المرحلة الثانية ( 1 نيسان إبريل- 15 أيار مايو)، اخذت الهغانا زمام المبادرة، وخلال ستة أسابيع باتت قادرة على قلب الأمور رأسًا على عقب عندما استولت على الأحياء العربية من مدن طبريا وحيفا ثم صفد وعكا وفتحت الطريق إلى أورشليم القدس بشكل مؤقت وتولّت السيطرة على معظم المناطق التي خُصّصت للدولة اليهودية وفقًا لقرار الأمم المتحدة.
أُعتُبرت المرحلة الثالثة (15 أيار مايو- 19 تموز يوليو) مرحلة حاسمة بدأت بالاعتداءات المتزامنة والمنسَّقة التي شنّتها على الدولة الناشئة خمسة جيوش عربية نظامية من الدول المجاورة كانت تتمتّع بتفوق ساحق من ناحية كمية الآليات المدرعة والمدفعية وقواتها الجوية.
في ال31 من أيار مايو تم تغيير اسم الهغانا ليصبح "جيش الدفاع الإسرائيلي". ومُنِيَ جيش الدفاع في البداية بهزائم شملت فقدان السيطرة على غُوش عتصْيُون في منطقة يهودا وعلى منطقة مِيشْمار هايارْدِين في الشمال وياد مُورْدِيخاي في الجنوب، ولكنّه تمكن بعد ثلاثة أسابيع من صدّ الهجوم وتثبيت الأوضاع في الجبهة وكذلك شن عمليات هجومية محليّة بنفسه.
أما المرحلة الرابعة ( 19 تموز يوليو 1948- 20 تموز يوليو 1949) فاتّسمت بتمسّك إسرائيل بزمام المبادرة: عملية يُوؤاف في تشرين الأول فتحت الطريق المؤدي إلى النقب وبلغت ذروتها بالاستيلاء على بئر السبع؛ عملية حِيرام في نهاية تشرين الأول أكتوبر أدت إلى الاستيلاء على الجليل الأعلى؛ وبعملية حُوريف في كانون الأول ديسمبر 1948 وعملية عُوفْدا في آذار مارس 1949 أكمل جيش الدفاع استيلاءه على منطقة النقب والتي كان مقررًا أن تقع في حدود الدولة اليهودية وفقًا لقرار الأمم المتحدة.
وقّعت الدول العربية في آن واحد اتفاقيات الهدنة: كانت مصر الأولى لتوقيع الاتفاقية في ال24 من شباط فبراير 1949؛ وأعقبها لبنان في ال23 من آذار مارس؛ ثم وقّع الأردن اتفاقية الهدنة في ال3 من نيسان إبريل فيما وقّعت سوريا اتفاقية الهدنة في ال20 من تموز يوليو. وكان العراق البلد الوحيد الذي لم يُوقّع اتفاقية هدنة مع إسرائيل وفضّل سحب قواته وتسليم السيطرة عليها للفيلق العربي في الأردن.
وفي نهاية الحرب لم تتمكن إسرائيل من التصدي للجيوش العربية الغازية وطردها فحسب وإنّما استولت على حوالي 5000 كيلومتر خارج المناطق التي خصصتها لها الأمم المتحدة في قرار التقسيم.
تم تشكيل جيش الدفاع في أثناء حرب الاستقلال، ليس في ال15 من أيار مايو وإنّما بعد ذلك بأسبوعين؛ إذ كان بن غوريُون يتفاوض خلال هاذين الأسبوعين مع المنظمتين المسلحتين "الانفصاليتين" الإيتِْصل واللِيحي في مسعى لإقناعنهما بنزع أسلحتهما طوعًا قبل أن قام بحلّ هاتين المنظمتين بواسطة مرسوم إقامة جيش الدفاع الذي صدر في ال31 من أيار مايو 1948. ونصّ هذا المرسوم على قيام قوة مسلحة واحدة فقط تخضع لإمرة الحكومة الشرعية. وكان هناك تواصل تام بين الهغانا وجيش الدفاع إذ تم إقرار تعيين يعقوب دُوري الذي قاد الهغانا رئيسًا لهيئة الأركان وتعيين أعضاء هيئة الأركان العامة وقادة الألوية والمستويات الأدنى جميعهم بشكل أوتوماتيكي.
لدى نهاية الحرب بلغ قوام القوات النظامية في جيش الدفاع أكثر من 100000 رجل وامرأة بينما كان عدد الجنود لدى بداية الحرب ضئيلا. فبالإضافة إلى 12 لواء معظمها من قوات المشاة كانت في جيش الدفاع عدة أفواج للمدفعية . وكانت الأفواج المدرّعة الأولى تُزوَّد بآليات مدرعة خفيفة تمت "مصادرة" بعضها من القوات البريطانية التي غادرت البلاد و بعضها من غنائم الحرب؛ وتم "ابتياع" عدة دبابات من القوات البريطانية وإعادة تركيب عدة دبابات قديمة أمريكية الصنع.
كان سلاح البحرية يمتلك في البداية سفنا أُعيد تشغيلها بعد أن كانت تُستَخدم لنقل مهاجرين غير شرعيين. وأُرسِيت الأسس لإقامة سلاح الجو: طائرات من طراز سبِيتفايِير ومِيسِيرشْمِيت تم ابتياع معظمها في تشِيكوسلوفاكيا بالإضافة إلى طائرات مدنية خفيفة كانت الهغانا تستخدمها لاغراض الاستطلاع والاتصالات. وتم ابتياع بقايا طائرات قاذفة أمريكية من الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه الطائرات تشنّ أول "هجوم إستراتيجي" لها على القاهرة في طريقها إلى إسرائيل حتى قبل وصولها إلى قواعدها. وأغارت إحدى الطائرات التي كان طيّارها مزوّدًا بدليل بِدِيكير السياحي على قصر عبدين؛ ورغم كون هذه العملية غير فعالة نسبيا فإنّها كانت مفاجئة ولذلك ناجعة من الناحية السيكولوجية.
عقب توقيع اتفاقيات الهدنة وزوال الخطر الفوري، تم تسريح معظم الجنود باستثناء فئة صغيرة، بل تم حل الوحدات العسكرية. فقد كان يتعين على الدولة الجديدة القيام بمهام عاجلة استلزمت توظيف كل طاقاتها ، وخاصة مهمة استيعاب موجات القادمين الجدد الذين بات بإمكانهم أخيرًا القدوم إلى "بيتهم". وقد باءت محاولة لخلق إطار لخدمة الاحتياط للجنود المسرَّحين بالفشل. ولكن الجانب العربي لم يبد اهتمامًا كبيرًا في خوض حرب شاملة في تلك المرحلة. وهذا لا يعني أنّ العرب باتوا يفهمون الواقع واعترفوا بإسرائيل- بل بالعكس، ولكنّهم اعترفوا بأنّ محاربة إسرائيل تستلزم إجراء استعدادات كاملة.
في تلك المرحلة وجد العرب ما اعتبروه وسيلة ممتازة ليُظهروا لشعوبهم أن الحرب لم تنتهِ بعد وفي الوقت نفسه لإرهاق إسرائيل وإرباكها. فقد تسلّلت عناصر فلسطينية (أسموا أنفسهم فدائيين) عبر الحدود الطويلة وشبه السائبة- ومن الجدير بالذكر أنّه ليس هناك أي مكان في إسرائيل بعيد عن الحدود: وأعقبت عمليات التسلل بهدف سرقة آليات زراعية عمليات زرع ألغام وقتل أفراد بل وعمليات قتل جماعية. فقامت المخابرات المصرية بتدريب هذه العناصر التخريبية وبتزويدها بالأسلحة وبتمويل نشاطاتها، رغم أنّها انطلقت عادة من قواعد في الأردن لكي يضطرّ الأخير إلى مواجهة عمليات الرد الإسرائيلية التي أعقبت حتمًا العمليات التخريبية. وكلّما ردت إسرائيل على اعتداء استنكر مجلس الأمن الدولي هذا الرد، بينما أصبح توجيه استنكار لحكومة عربية مستحيلا بسبب استخدام الاتحاد السوفياتي حق النقض– الفيتو.
لم تهدف عمليات التسلل، رغم كونها مؤلمة من الناحيتين العسكرية والدبلوماسية إلا إلى صرف النظر عن الهدف الرئيسي الذي كان مصدر القلق الرئيسي لجيش الدفاع ألا وهو الاستعدادات لجولة ثانية من الحرب.
كرّس يِغائِيل يادِين الذي عُين ثاني رئيس لهيئة الأركان العامة خلفًا ليعقوب دوري جلّ طاقاته لتنظيم قوات الاحتياط وهيكلة القيادة- ولا تزال بعض المبادئ التي حدّدها حينئذ سارية المفعول حتى أيّامنا هذه. وفي الوقت نفسه كان تطوير القوات المدرّعة محلّ اهتمام خاص. وكان الضعف الذي عانته إسرائيل من ناحية عدد جنودها مقارنة بجيرانها واعترافها بأنها ستضطر إلى نقل القتال إلى أراضي العدو على وجه السرعة نظرًا لغياب عمق إستراتيجي لها وتفوّقها المعروف في تحركات سريعة وكثيرًا ما تحركات غير مخطط لها من قبل، كانت كل هذه عوامل تؤكد ضرورة تطوير قوات مدرعة. وشكّل التحالف الذي نشأ مع فرنسا خلال أزمة السويس فرصة فريدة من نوعها لتزويد جيش الدفاع بدبابات فرنسية الصنع. وقد حصلت هذه "المعجزة" في وقت يأس، حيث لم تكن هناك أي دولة غربية أو شرقية مستعدّة لتزويد إسرائيل بالأسلحة، بينما أقدمت دول من الشرق والغرب على حد سواء على عرض أسلحتها على العرب. وكانت صفقة الأسلحة التشِيكية المصرية بوجه الخصوص مصدر قلق، علمًا بأنّ هذه الصفقة كانت تشكل تهديدًا على إسرائيل بأحدث أنواع الأسلحة الروسية الصنع.